محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثناؤه بقوله : وَلَوْ رَدُّوهُ الأمر الذي نالهم من عدوهم والمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى أولي أمرهم ، يعني : وإلى أمرائهم ، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر ، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك ، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بطوله ، فيصححوه إن كان صحيحا ، أو يبطلوه إن كان باطلا . لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يقول : لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه ، ويستخرجونه منهم ، يعني : أولي الأمر . والهاء والميم في قوله : مِنْهُمْ من ذكر أولي الأمر . يقول : لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه . وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب ، فهو له مستنبط ، يقال : استنبطت الركية : إذا استخرجت ماءها ، ونبطتها أنبطها ، والنبط : الماء المستنبط من الأرض ، ومنه قول الشاعر : قريب ثراه ما ينال عدوه * له نبطا آبي الهوان قطوب يعني بالنبط : الماء المستنبط . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ يقول : ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أولي أمرهم حتى يتكلم هو به ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ يعني عن الأخبار ، وهم الذين ينقرون عن الأخبار . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ يقول : إلى علمائهم ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ لعلمه الذين يفحصون عنه ، ويهمهم ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ حتى يكون هو الذي يخبرهم ، وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أولي الفقه في الدين والعقل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يتتبعونه ويتحسسونه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا ليث ، عن مجاهد : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ قال : الذين يسألون عنه ويتحسسونه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يَسْتَنْبِطُونَهُ قال : قولهم : ما كان ؟ ماذا سمعتم ؟ حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ قال : يتحسسونه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد عن ابن عباس : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يقول : لعلمه الذين يتحسسونه منهم . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ قال : يتتبعونه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ حتى بلغ : وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ قال : الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب ؟ أباطل فيبطلونه ، أو حق فيحقونه ؟ قال : وهذا في الحرب ، وقرأ : أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ فعلوا غير هذا و رَدُّوهُ إلى الله و إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا يعني بذلك جل ثناؤه : ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته ، فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين به ، الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر : طاعة ، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي تقول ، لكنتم مثلهم ، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا ، كما اتبعه الذين وصف صفتهم . وخاطب بقوله تعالى ذكره : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ الذين خاطبهم